الرجل الذي أثبت بالدليل القاطع أن الحديث النبوي كُتب في زمن الرسول ﷺ


حين يتكلم أهل العلم، تنصت العقول قبل الآذان.

قليلون هم أولئك الذين يجمعون بين عمق المعرفة، وصدق الإخلاص، ونُبل السلوك، وأثر الدعوة… ومن هؤلاء العلماء الأفذاذ هذا الرجل الفذّ. فمن يعرفه حق المعرفة؟

الرجل الذي أثبت بالدليل القاطع أن الحديث النبوي كُتب في زمن الرسول ﷺ


إنه العالم الذي رفض جائزة الملك فيصل عام 1994م قائلاً كلمته الخالدة:

"ما كتبتُ ما كتبتُ إلا ابتغاء وجه الله عز وجل، فلا تُفسدوا عليّ ديني."


أسلم على يديه أكثر من أربعين ألف إنسان في فرنسا خلال ما يقارب نصف قرن من الإقامة والدعوة، وكان يتقن اثنتين وعشرين لغة، وتعلّم آخرها ـ اللغة التايلاندية ـ وهو في الرابعة والثمانين من عمره. لم يتزوج، لكنه تزوج العلم، فأنجب ما يزيد على 450 كتابًا بلغات متعددة، وقرابة 937 مقالًا علميًا في لغات عالمية مختلفة.


على الرغم من مكانته العلمية الرفيعة، كان مثالًا للتواضع؛ يغسل الأواني بيده مع طلابه أثناء رحلاتهم العلمية في فرنسا. وحين منحه الرئيس الباكستاني الراحل محمد ضياء الحق أرفع وسام تقديرًا لجهوده في السيرة النبوية، تبرع بقيمة الجائزة ـ مليون روبية ـ لمعهد الدراسات الإسلامية في إسلام آباد قائلاً:

"إن أخذتُ أجري في هذه الدنيا الفانية، فماذا أرجو في الدار الباقية؟!"


وُلد سنة 1908م في حيدر آباد بجنوب الهند، وينتمي إلى أسرة تعود جذورها إلى قبيلة قريش، وقد هاجرت أسرته من الحجاز إلى البصرة هربًا من بطش الحجاج بن يوسف، ثم استقر بها المقام في الهند منذ القرن الثامن الميلادي.


التحق عام 1934م بجامعة السوربون في فرنسا، ونال منها درجة الدكتوراه الثانية عن أطروحته الموسومة بـ:

«الدبلوماسية الإسلامية في العصر النبوي والخلافة الراشدة»، والتي تحولت لاحقًا إلى أشهر كتبه باللغة العربية بعنوان:

«مجموعة الوثائق السياسية للعصر النبوي والخلافة الراشدة».


ومن أعظم إنجازاته العلمية أن شرّفه الله بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية، كما كان أول من أثبت علميًا وتاريخيًا أن الحديث النبوي دُوِّن في عهد النبي ﷺ، وذلك من خلال تحقيق صحيفة همّام بن منبّه اعتمادًا على مخطوطة برلين، مع تحقيق علمي دقيق وتعليق ومقدمة وافية عن تاريخ تدوين الحديث.


وتحتوي هذه الصحيفة على أحاديث كتبها الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ، ونقلها عنه تلميذه همّام بن منبّه، وهي أقدم ما وصل إلينا مكتوبًا من الحديث النبوي. وقد عثر على إحدى مخطوطاتها في برلين أثناء دراسته في ألمانيا، ثم دُلَّ على نسخة أخرى محفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق، فقام بمقارنة النسختين وتحقيقهما، وأثبت بالبراهين الساطعة أن كتابة الحديث كانت قائمة في العهد النبوي.


كما بيّن أن النبي ﷺ كتب وثيقة لتنظيم العلاقة بين المهاجرين والأنصار واليهود، وهي أول وثيقة دستورية في تاريخ الدولة الإسلامية، وكان النبي ﷺ رئيسها.


وبذلك فنّد المزاعم الباطلة التي يرددها أعداء الإسلام، زاعمين أن الحديث لم يُكتب إلا بعد القرن الثالث الهجري. وقد بلغ عدد أحاديث الصحيفة 138 حديثًا، وتُرجمت إلى اللغات: الأردية، والفرنسية، والإنجليزية، والتركية.


ظل هذا العالم الجليل يعمل ويؤلف بلا كلل حتى أقعده المرض سنتين قبل وفاته، حيث كان مقيمًا مع ابنة أخته في الولايات المتحدة، وتوفي سنة 2002م عن عمر ناهز أربعًا وتسعين سنة.


إنه فضيلة الشيخ الدكتور محمد حميد الله الحيدر آبادي الهندي، رحمه الله رحمة واسعة، وغفر له، وتقبله في زمرة العلماء الصادقين والدعاة المخلصين.

قد يهمك أيضا قرأة : قصة اختبار الإمام الشافعي في الذكاء والعلم

مدونة موثوق التعليمية

مدونة تقنية https://www.mootook.com/ توفر محتوى عالي الجودة وذو مصداقية، حيث يتم تأليف المقالات من خلال الخبرة المكتسبة في مجال التقنية التي نتابعها باستمرار لكل تطوراتها وابتكاراتها.

إرسال تعليق

أحدث أقدم